عبد الملك الجويني
173
نهاية المطلب في دراية المذهب
10437 - فأما إذا عفا أحد الوليين ، فابتدر الثاني ، وقتل ، فلا يخلو : إما أن يكون ذلك [ بدون العلم ] ( 1 ) بالعفو ، وإما أن يكون عالماً به ، فإن كان مع العلم بالعفو ، ففي وجوب القصاص على هذا المبتدر قولان مرتبان على القولين فيه إذا ابتدر أحدهما وقتل قبل عفو الثاني ، ثم القولان بعد الترتيب مبنيان على المعنيين المذكورين في توجيه أحد القولين . فإن قلنا : المسقط للقصاص عن المبتدر الشركة ، فهي زائلة بالعفو ، وإن قلنا : المسقط خلاف العلماء ، فهو قائم ؛ فإن الذين صاروا إلى جواز انفراد أحد الوليين باستيفاء القصاص [ نحَوْا به نحو حدّ القذف ] ( 2 ) وزعموا أنه لا يسقط حق من لم يعف بعَفْو من عفا . وكان شيخي يقول : الخلاف في نفس الشيء لا يوجب درءَ العقوبة سواء كانت لله أو للآدمي ، فإنا لو جعلنا الخلاف في ثبوت العقوبة وانتفائها شبهةً دارئة للعقوبة ، لما تصور الخلاف [ في ] ( 3 ) العقوبة ، ولاقتضى إيجاب العقوبة مدركاً مستيقناً حتى لا تفرض عقوبة في مجال الظن . فأما إذا كان الخلاف في إباحة السبب ، فالمذهب الأصح أنه إذا كان ( 4 ) مساغٌ ولم يصادم أمراً مقطوعاً به ، فإنه يدرأ العقوبة الثابتة لله ، وهذا كخلاف ابن عباس في إحلال المتعة ، وإن كانت العقوبة للآدمي كالقصاص في الصورة التي نحن فيها ، فالخلاف هل يدرأ العقوبة ؟ فعلى قولين ؛ فإن حقوق الآميين أبعد عن السقوط من حقوق الله تعالى ، ولا [ يعدم ] ( 5 ) الفقيه تقدير هذا . ومما [ نؤثر للفقيه ] ( 6 ) التنبه له أن إسقاط القصاص مع العلم بالعفو في الصورة التي نحن فيها أقرب مأخذاً من إيجاب القصاص على المبتدر إذا لم يكن عفوٌ .
--> ( 1 ) غير مقروءة في الأصل : ورسمت هكذا : " - عدا بعلم " . ( 2 ) عبارة الأصل : ونحواً به لحد القذف . ( 3 ) في الأصل : " من " . ( 4 ) ( كان ) هنا تامة بمعنى ( وجد ) . ( 5 ) في الأصل : " يقدم " . ( 6 ) في الأصل : " يؤثر الفقيه " .